المقريزي

46

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

قد أسمن نفسه وأهزل فرسه . فإذا حمض اللّبن ، وكثر الذّباب ، ولوى العود ، فارجعوا إلى قيروانكم « 1 » . وعن ابن لهيعة ، عن الأسود بن مالك الحميري ، عن بحير بن ذاخر المعافري ، قال : رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا - وذلك بعد حميم النّصاري بأيّام يسيرة - فأطلنا الرّكوع ، إذ أقبل رجال بأيديهم السّياط يزجرون النّاس ، فذعرت ؛ فقلت : يا أبت من هؤلاء ؟ فقال : يا بنيّ هؤلاء الشّرط . فأقام المؤذّنون الصّلاة ، فقام عمرو بن العاص على المنبر . فرأيت رجلا ربعة ، قصد « ( a » القامة ، وافر الهامة ، أدعج أبلج ، عليه ثياب موشّاة كأنّ به العقيان تأتلق ، عليه حلّة وعمامة وجبّة ، فحمد اللّه وأثنى عليه حمدا موجزا ، وصلّى على النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ووعظ النّاس وأمرهم ونهاهم ؛ فسمعته يحضّ على الزّكاة وصلة الأرحام ، ويأمر بالاقتصاد ، وينهى عن الفضول وكثرة العيال ، وإخفاض الحال في ذلك ، فقال : « يا معشر النّاس إيّاكم وخلالا أربعا ، فإنّها تدعو إلى النّصب بعد الرّاحة ، وإلى الضّيق بعد السّعة ، وإلى الذّلّة بعد العزّة . إيّاكم وكثرة العيال ، وإخفاض الحال ، وتضييع المال ، والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال . ثم إنّه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه ، والتّدبير لشأنه ، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها . ومن صار إلى ذلك ، فليأخذ بالقصد والنّصيب الأقلّ ، ولا يضع « ( b » المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه ، فيحوز « ( c » من الخير عاطلا ، وعن حلال اللّه وحرامه غافلا . يا معشر النّاس إنّه قد تدلّت الجوزاء ، وذكت « ( d » الشّعرى ، وأقلعت السّماء ، وارتفع الوباء ، وقلّ النّدى ، وطاب المرعى ، ووضعت الحوامل ، ودرجت السّخائل ، وعلى الراعي بحسن رعيّته حسن النّظر . فحيّ لكم - على بركة اللّه تعالى - إلى ريفكم ، فنولوا « ( e » من خيره ولبنه وخرافه وصيده ، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها ، فإنّها جنّتكم من عدوّكم ،

--> ( a بولاق : قصير . ( b بولاق : يضيع . ( c بولاق : فيجوز . ( d بولاق : ذلت . ( e في النسخ : فنالوا . ( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 139 .